نورالدين علي بن أحمد السمهودي
156
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
من أرض وعقار لا يمنع أن يورث ، وتمسك أبو بكر بالعموم ، فلما صمم على ذلك انقطعت عنه . قلت : بقي لذلك تتمة ، وهي أنها فهمت من قوله « ما تركنا صدقة » الوقف ورأت أن حق النظر على الوقف وقبض نمائه والتصرف فيه يورث ، ولهذا طالبت بنصيبها من صدقته بالمدينة ، فكانت ترى أن الحق في الاستيلاء عليها لها وللعباس رضي الله تعالى عنهما ، وكان العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما يعتقدان ما ذهبت إليه ، وأبو بكر يرى الأمر في ذلك إنما هو للإمام ، والدليل على ذلك أن عليا والعباس جاءا إلى عمر يطلبان منه ما طلبت فاطمة من أبي بكر ، مع اعترافهما له بأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « لا نورث ، ما تركنا صدقة » لما في الصحيح من قصة دخولهما على عمر يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم من مال بني النضير ، وقد دفع إليهما ذلك ليعملا فيه بما كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يعمل به وأبو بكر بعده ، وذلك بحضور عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد والزبير ، قال في الصحيح : فقال الرّهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقص بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، فقال عمر : على تيدكم ، أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال « لا نورث ، ما تركنا صدقة » يعني نفسه ؟ فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال : أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، إن الله عز وجلّ قد خصّ رسوله صلى اللّه عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ إلى قوله قَدِيرٌ [ الحشر : 6 ] فكانت هذه خاصة لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل به رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ذلك حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم ، قال عمر : ثم توفى الله نبيه صلى اللّه عليه وسلم فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقبضها أبو بكر ، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والله يعلم إنه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليّ أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي ، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما وحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك وجاءني هذا - يريد عليا - يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال « لا نورث ، ما تركنا صدقة » فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وبما عمل فيها